صدى بيروت

جديد المقالات
جديد الأخبار





المتواجدون الآن


تغذيات RSS


المقالات
مقالات العرب و العالم
'خلية' الكويت: الحرب التي لا نريد تصديقها
'خلية' الكويت: الحرب التي لا نريد تصديقها
28-08-2015 12:56 AM

كتب محمد قواص

يفرجُ الكشف عن خلية حزب الله في الكويت عن سعي إيراني لا يكلّ لاختراق النسيج الخليجي (والعربي عموماً) السياسي والاجتماعي والأمني، وتحضير تلك المنطقة لخطط دولة الوليّ الفقيه. والكلام عن خلية لـ”الحزب” هنا، كما عن خلية هناك، هو بالمحصّلة كلام عن نشاطات الأذرع الأمنية والعسكرية لطهران، فحزب “السيّد” أداة طيّعة تخضعُ في تفصيل التفصيل لمزاج الحاكم في طهران ورغباته في كل المناطق التي يستطيعُ حزب الله التسلل إليها.

لا طائل من سرد العمليات الأمنية والعسكرية التي قام ويقوم بها حزبُ الله لصالح طهران في العالم. ليس للحزب أجندة خاصة تدفعه للعبث في أوروبا أو أفريقيا أو أميركا اللاتينية، وليست حوافز الحزب محلية في عمليات الخطف التي طالت الأجانب في لبنان، ولا في تلك التي نفّذها عماد مغنية ومصطفى بدرالدين على أرض الكويت. ينفذ الحزب أوامرَ صادرة عن وليّ الأمر في إيران، وفق قناعات عقائدية وولاء يفخر به علنا الأمين العام حسن نصرالله.

قد يخال القارئ أن ما نقوله معروفٌ وبديهي، فإذا ما كان الأمر كذلك في بديهيته، فإن كشفَ الخلية، وخصوصا كشف كمية ونوعية ومستوى التسلح المخبأ، يقود بديهيا أيضا إلى استنتاج قيام إيران بتنفيذ عمل عدائي خطير ضد الكويت، يرقى، في علم العسكر كما منطق الدبلوماسية، إلى مستوى إعلان الحرب.

لا أعرف إذا ما كانت هناك تسميةٌ أخرى غير ذلك في ما تفيضُ عنه أخبار التحقيق وتسريبات الحدث. والترددُ في وصف الحدث وحقيقة خطورته راجعٌ إلى سلوك الكويت الرسمي الذي يتصرف وكأن الأمرَ تفصيلٌ عرضي، يشبه في حيثياته تلك المتعلقة بالقبض على عصابات سطو أو جماعات تزوير. فلا يبدو، حتى الآن على الأقل، أن الكويت تشعرُ أن هناك دولةً تمارسُ حرباً غير معلنة عليها، فإذا ما كبتَ المعتدي عدوانَه، فهل يجوزَ أن يبتلعَ المعتدى عليه العدوان؟

للكويت فلسفةُ عيش وتعايش تسودُ قواعدَ الاستقرار. وللكويتيين طريقةٌ كويتية في مقاربة أزماتهم ومعالجة عللهم. وفي زمن الفتنة السنّية الشيعية الرائجة في كل المنطقة، يحرصُ الكويتيون، بسنّتهم وشيعتهم، على تقديم نموذج آخر، يريدونه أكثر مناعةً وأشد نجاعة في ردّ رياح الفتن المتعددة المصادر. في قلب تلك الورشة الناشطة، يُطل حدث الخلية بصفته نكسةً للوصفة الكويتية، وكلمة سرّ لتحريك حساسيات واللعب بماء كويتي تُعكره صراعات ما وراء الحدود. في قلب تلك الورشة ترتكبُ طهران إثمها مطمئنة إلى توفّر دينامية كويتية داخلية تدوِّر الزوايا وتُدرج الحدث في معازل هامشية وتلفلف الأمر على عجل، خوفاً على استقرار الكويت واعتدال مزاجه.

لا يهمُّ إيران ما تسببه خليتها من حرج للشيعة في الكويت. فمن بين أولئك ستخرج وجوهٌ تدافع عن “الممانعة” بطبعاتها اليمنية واللبنانية والعراقية والسورية، وطبعاً الإيرانية. سيكون على الكويتيين بعد الكشف عن تلك “الحرب” ضدهم، أن يستمعوا إلى جدل يعادي الشقيق والصديق لحساب العبق الوارد من طهران. سيكون على الحكومة ألا تصبّ الزيت على النار، وأن تحاول استيعاب الحدث وابتلاع مفاعيله، وأن تسعى لتبرئة شيعة البلاد، وهم من الإثم براء، وأن تتحرّى إخماد أصوات التطرف عند السنّة درءاً لتصادم سيضرُّ بالبلاد حتماً، وستبتسمُ له حتماً الوجوه الحاكمة في طهران.

تُطل الخلية بعد أيام على إطلالة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على الكويت. تمارسُ إيران فنونَ الحرب ضد الكويت بعد ساعاتٍ على إظهارها مفاتن الحوار. تعتدي إيران، وليس في الكلمة مبالغة، ذلك أن الأسلحة المخزّنة لم يكن مقصدها خيريّ إنساني، بل أن وجهتها شر للكويت والكويتيين. تعتدي إيران، وهي تُعدُّ لذلك منذ وقت طويل، ربما قبل أن يطالب أحد برلمانييها (محمد كريم عابدي) بالتدخل العسكري في الكويت لحماية أهل البيت (بعد تفجير مسجد الإمام الصادق الشيعي أواخر يونيو الماضي)، وقبل أن يوجّه حسن نصرالله تحية لأمير وحكومة الكويت لمقاربتهما الوحدوية ضد الفتنة بعد ذلك الاعتداء.

التدخل الإيراني سافرٌ مباشر في شؤون دول الخليج. تتحركُ إيران برحابة في البلدان التي يعيشُ فيها شيعة، ذلك أنها تعتبرُ نفسها وصيّة على أمورهم، حامية لمصائرهم. في ذلك يصبحُ التدخل في البحرين (التي لا تخفي أبواق إيرانية اعتبارها محافظة إيرانية) من عاديات اليوميات الإيرانية، كما الدفاع عن شيعة السعودية والكويت. تتدخل إيران في شؤون الخليج فتناصر الحوثيين في اليمن وتدين “الاعتداء السعودي العربي” على اليمن. وحين تعبث الخلية بأمن الكويت، فذلك فرع من أصل وجزء من كل، وجبت مقاربته بصفته قدرا بنيويا دائما.

في دعوة رئيس مجلس الأمة مرزوق علي غانم إلى الكشف عن ملابسات التحقيق سعي لتجنب دفن الملف وتناسي مفاعيله. للكويتيين حق الدفاع عن نفسهم ومقاربة مآزقهم بالسُبل التي يرونها مناسبة، لكن يجوز أن يتساءلَ الخليجيون عن الموقف الذي كانت ستتخذُه إيران لو أن خلية خليجية اكتشفت في إيران كان هدفها، ليس تخزين السلاح والمتفجرات، بل تأمين دعم معنوي للأكراد في مهاباد، أو دعم دعوي للسنّة في بلوشستان، أو دعم مادي للعرب في الأهواز... في استشراف ردّ الفعل الإيراني على فعل خليجي سلمي يمكن تخيّل ردّ فعل طهران لو كان التدخل الخليجي تخريبي يطال أمن إيران واستقرارها.

تُطل إيران على الكويت بمخالب حرب بعد أن لبست قفازات السلم في فيينا، وخرجت باتفاقها النووي مع العالم. تُطل إيران على الكويت، ليس بصفتها متّعظة من مفاوضات مضنية أفضت إلى فيينا، بل مستقوية بسقف دولي بات يعتبرها شريكة في الحل لا جزءاً من مشكلة. تُطل إيران على الكويت، دولة الاعتدال والوسط والوساطة بين المتخاصمين، سيان عندها مآلات عبثها على حاضر البلد ومواطنيه، كما على عافية الاعتدال التي بات التطرف الداعشي يحاصرها بلداً بعد آخر.

سنملُّ كثيراً من تدافع التفسيرات التي تروي أن طهران منقسمة بين حمائم وصقور، بين دولة ووليّ، بين حكومة وحرس ثوري. ستحلّق فوق الكويت تنظيرات تعتبرُ الخلية ضرورة وطنية لـ”رد الإمبريالية والصهيونية والاستكبار”، أو مؤامرة تفتري لتضخيم الأمر والنفخ في حدث عرضي، أو فتنة ضد الشيعة تقترفها أجهزة وأجندات الغرف السوداء. وإذا ما أصاب الحجج بهتان، فإن هناك من سيخرجُ لنا بأن الجريمة في الكويت يرتكبها أولئك المتطرفون الذين لا يمثّلون الخطاب الرسمي للجمهورية الإسلامية وليا ورئيسا. في ذلك سيخرجُ في الكويت من يغلق الملف سريعاً بسبب غياب الأدلة والجهل بالفاعل (يذكّر البعض بحادثة تهريب الداعية الشيعي ياسر حبيب من الكويت كحلّ لأزمته).

في هذه الساعات تتناول الأقلام مسألة الحوار الخليجي الإيراني ونجاعته. في الحوار وجاهة وشروط. في الوجاهة أنها السبيل الحضاري لحلّ المشاكل وتجنب المآسي. وفي الشروط أن يأتي المتحاورون نحو طاولة لا مكان عليها لقوي وضعيف والكل سواسية لبناء اتفاق تعايش تاريخي. فكيف لإيران التي تؤكد، عبر خلاياها وجماعاتها وجنرالاتها وإعلامها، أنها تملك ما تملك في الكويت ودول الخليج، في العراق ولبنان وسوريا واليمن، وتملك ما تملك بعد اتفاقها الأممي، لا سيما تزاحم الشركات الدولية على أبوابها، أن ترضى بحوار لا يكرّس شرعية وقبولا لهيمنة طموحة.

من حقّ بعض الكويتيين أن يميلوا إلى التقية تحاشياً لعواصف خارج التوقيت، أو لعبقرية في الحفاظ على توازن بين مزاج الرياض ومزاج طهران، لكن هل توفّر هذه “الحكمة” مفاعيل ردع، أو أنها تقدم مغريات لطهران لمزيد من الاستباحة والغيّ؟ تملكُ إيران تفوقاً ميدانياً، ذلك أنها موجودة في الخليج ولا وجود ميدانيا مقابل خليجي (أو عربي) في إيران، كما أن طهران تملك تفوّقا في استخدام العامل المذهبي، الذي تعتبره عقلية الحكم الكويتي عاراً وجبت مداواته بوعي، فيما تعتبرُ إيران المذهبية سلاحاً عقائدياً تفخرُ به وتجاهرُ في إشهاره، فهل يُرَدُّ على الباطل بتفهُّمٍ ومراعاة؟

تتقدمُ إيران جاهزة للحوار لقطف ثمار زرع عتيق، فإذا ما تأخر ذلك الحوار يتحرك أصحاب الخلايا لإقناع المترددين بأن للحصاد مواسم، وقد آن أوانها.


صحيفة العرب - لندن


.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 8354



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook
  • أضف محتوى في twitter


محمد قواص
تقييم
1.07/10 (5 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لموقع صدى بيروت