صدى بيروت

جديد المقالات
جديد الأخبار





المتواجدون الآن


تغذيات RSS


المقالات
مقالات لبنان
بين المظاهرات الحضارية وبين فوضى الحقد وتخريب البلاد
بين المظاهرات الحضارية وبين فوضى الحقد وتخريب البلاد
26-09-2015 12:15 PM

كتب محمود علي البغدادي

بداية , القوانين اللبنانية تبيح للشعب والأحزاب تنظيم مظاهرات محددة من نقطة انطلاقها إلى نقطة توقفها بموجب ترخيص تحصل عليه بطلب رسمي من وزراة الداخلية , وتنال الموافقة بموجب تلك الخطة ؛ وتسير المظاهرة بمواكبة من القوى المنية محافظة عليها , وحماية لها من المندسين المستغلين والغوغائيين الاسعين إلى الفوضى والتخريب وتحطيم المحلات التجارية ونهبها ..

حركة طلعت ريحتكم , مع أنها بدأت عفوية ومحقة , اختزلت كل القوانين التي تحمي تحركها , فلم تنطلق في مظاهرة سلمية بحسب القانون لتحمي نفسها , وإنما اتجهت مباشرة نحو الصراخ والشتائم القذرة ومهاجمة قوى الأمن الداخلي والتطاول على السراي الحكومي ومن فيه , مع أن مجلس النواب هو المستهدف في الأصل بأعضائه , وليس الحكومة ولا رئاسة الحكومة , ولكن الأمر تحول بطريقة خفية من مظاهرة حضارية يشهد لها العالم المتقدم , إلى تجمهر عشوائي سمح للفوضويين والمخربين والإنتهازيين بمحاولة تحويل هذه الظاهرة إلى ما يشبه " الثورة " التخريبية , الخالية من أي برنامج سياسي أو إصلاحي , أو حتى بديل موضوعي عن الحكومة القائمة لكي تتمكن من دفع رواتب الموظفين ومتكلبات الجيس والضمان الاجتماعي ومخصصات المستشفيات وما إلى ذلك من مصالح الشعب اليومية , وليست قضية النفايات البيروتية ـ التي هي نفاياتهم جميعاً ـ هي المشكلة , وإنما المشكلة هي في استمرار وجود لبنان باستمرار وجود جكومة فيه , أو إلغاء لبنان بإسقاط حكومته وتركه ساحة ملحقة بالأوضاع السورية المدمرة التي لم تبقِ حجراًعلى حجر ..

كل السياسيين يعرفون هذا المخطط جيداً , والساعين له يفرحون بإنجازاتهم التي إن تحققت لن توفر لهم رؤوسهم , ولن تترك لهم فرصة الفرح بما حققوه لأن لعنة الخراب وافنتقام ستلاحقهم من مكانإلى مكان , أما الذين يقاومون محطط إزالة لبنان من الوجود كدولة حرة مستقلة , فلن يملكوا إلا أن يقفوا متفرجين على انهيار الهيكل فوق رؤوس الجميع , وتشريد الجميع هنا وهناك في بلاد العالم كما هو حصل ويحصل للشعب السوري المسكين , الذي عضت يده أنياب الذين ءاوتهم وأطعمتهم في أيام المحنة واحتضنتهم وآوتهم بقلوب طيبة وأخوة وحب وتضامن .. وقد قال القدماء الجكماء :[ ملعون من شرب من بئر ثم ألقى فيها حجراً ..] .

ليس هنا محل تحليلات سياسية باتت سخيفة وسمجة حول مواقف هذا الطرف أو ذاك , ولكن الحكمة تقتضي الإشارة إلى أن الأموال مهما كثرت , ومهما جبُنَ أصحابها عن مواجهة الأزمات , فهي غير قادرة على حمايتهم من غضب الشعب وغضب الله , ولهم في ما حدث في العراق واليمن والشام خير مثل لأخذ العبرة إن كانت لهم عقول تعتبر .

صحيح أن أهالي بيروت الذين قاسموا الآخرين كل الآخرين بيوتهم وأرزاقهم ومدارسهم ووظائفهم بغباء وانعدام بصر وبصيرة من جهة , وسذاجة عاطفية من جهة ثانية , وطمعاً بتكثير المؤيدين والناخبين من جهة ثالثة , قد نالوا من جميع هؤلاء النكران والسخرية والإستهزاء والقتل والسرقة والإعتداء من أوباش غرباء وغير غرباء , قد باتوا اليوم يعضون على أصابعهم من الندم , جراء استتباع مؤامرة انتزاع مدينتهم منهم , أو هدمها وتخريبها تحت مختلف الشعارات التي لا تستأهل مثل تلك الغوغائية التي بدت في أواخر الأسبوع الماضي . ولكن الأحقاد والأطماع الفئوية والحزبية والمناطقية التي تستهدف الإستيلاء على بيروت وإفراغها من أهلها بعد أن أصبحت تلك الجهات مجتمعة تشكل أكثرية أقليات في العاصمة , تذكرنا اليوم بمناهج تاريخية قديمة اعتمدت أسلوب " التسلل والقضم التدريجي " من تفريغ القيادات المحلية من انتمائها لمصلحة التعددية والعلمانية والإندماج , بينما جميع المنادين بتلك الشعارات هم مذهبيون وطائفيون بحكم الواقع , وهو أمر بات يتطلب من البيروتيين إعادة النظر في حماية أنفسهم لكي يستطيعوا حماية لبنان وألا يستسلموا للرياء والنفاق السياسي يأتي من هذا الطرف أو ذاك ممن يظهرون ما ليس يبطنون في سباق مع الزمان لتحقيق مآربهم ...

ليست هذه الكلمات من باب التعصب , وإنما هي مفتاح لإيجاد مقاومة بيئية وبيروتية ولبنانية لتصويب العلاقات والتحالفات وتصحيح المسار ؛ لأن الأمور اليوم لم تعد قابلة للتعامل مع صيغة 1943 ومرحلة القرن التاسع عشر , وإنما هي خاضعة للتحافات الخارجية مع دول كبرى تصوغ مصالحها من خلال تلك الأقليات , حتى إذا انتهى دور أي سياسي أو زعيم , ألقت به تلك القوى الداعمة بين أنياب الكلاب .. وليست حالة المالكي في العراق اليوم الذي بات يستجدي الحماية من العقاب على ما ارتكب من جرائم وما نهب من مال , ببعيدة عن السمع البصر , كذلك مصير علي عبد الله صالح , ومحمد مرسي وغيرهم وغيرهم ..

ولا حياة في السياسة ولا بقاء لمن لا انتماء له في عالم متعدد الإنتماءات الدينية والمذهبية والإقليمية والطائفية
.



.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 7811



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook
  • أضف محتوى في twitter


محمود علي البغدادي
تقييم
9.01/10 (2479 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لموقع صدى بيروت